أبي الفرج الأصفهاني

569

الأغاني

ونسبه فغيّرهما وانتمى إلى بني مخزوم ، فأخذ جدّي المال منه وقال : موفّر مالك عليك ولك عندنا كلّ ما يحتاج إليه مثلك ما نشطت للمقام عندنا ، فإذا دعتك نفسك إلى بلدك جهّزناك إليه ورددنا عليك مالك وأخلفنا ما أنفقته عليك [ إلى ] [ 1 ] أن جئتنا ، وأسكنه دارا كان ينفرد فيها ، فمكث عندنا شهرين لا يعلم جدّي ولا أحد من أهلنا أنه يغنّي ، حتى انصرف جدّي من دار بشر بن مروان في يوم صائف مع قيام الظَّهيرة ، فصار إلى باب الدار التي كان أنزل ابن سريج فيها فوجده مغلقا فارتاب بذلك ، ودقّ الباب فلم يفتح له ولم يجبه أحد ، فصار إلى منازل الحرم فلم يجد فيها ابنته ولا جواريه [ 2 ] ، ورأى ما بين الدار التي فيها الحرم ودار ابن سريج مفتوحا ، فانتضى سيفه ودخل الدار ليقتل ابنته ؛ فلمّا دخلها رأى ابنته وجواريه [ 2 ] وقوفا على باب السّرداب ، وهنّ يومئن إليه بالسكوت وتخفيف الوطء ، فلم يلتفت إلى إشارتهنّ لما تداخله ، إلى أن سمع ترنّم ابن سريج بهذا الصوت ، فألقى السيف من يده وصاح به - وقد عرفه من غير أن يكون رآه ، ولكن بالنعت والحذق - : أبا يحيى ، جعلت فداءك ، أتيتنا بثلاثمائة دينار سوى ما جئت به معك ، ثم دخل إليه فعانقه ورحّب به ولقيه بخلاف ما كان يلقاه به ، وسأله عن هذا الصوت ، فأخبره أنه صاغه في ذلك الوقت . فصار معه إلى بشر بن مروان فوصله بعشرة آلاف درهم أوّل مرّة ، ثم وصله بعد ذلك بمثلها ؛ فلمّا أراد الخروج ردّ عليه جدّي ماله وجهّزه ووصله بمقدار نفقته التي أنفقها / من مكة إلى الحيرة ، ورجع ابن سريج إلى أهله وقد أخذ جميع من كان في دارنا منه هذا الصوت . استقدمه ابن سريج والغريض ومعبد إلى الحجاز فقدم وغنى فازدحم الناس فسقط عليه السطح فمات أخبرني عمّي قال حدّثني عبد اللَّه بن / أبي سعد قال حدّثني حسّان بن محمد الحارثيّ قال حدّثنا عبد اللَّه قال حدّثنا عبيد بن حنين [ 3 ] الحيريّ قال : كان المغنّون في عصر جدّي أربعة نفر ثلاثة بالحجاز وهو وحده بالعراق ، والذين بالحجاز : ابن سريج والغريض ومعبد ، فكان يبلغهم أنّ جدّي حنينا قد غنّى في هذا الشعر : هلَّا بكيت على الشباب الذاهب وكففت عن ذمّ المشيب الآئب هذا وربّ مسوّفين [ 4 ] سقيتهم من خمر بابل لذة للشارب بكروا عليّ بسحرة فصبحتهم من ذات كوب [ 5 ] مثل قعب الحالب بزجاجة ملء اليدين كأنّها قنديل فصح [ 6 ] في كنيسة راهب قال : فاجتمعوا فتذاكروا أمر جدّي وقالوا : ما في الدنيا أهل صناعة شرّ منّا ، لنا أخ بالعراق ونحن بالحجاز ، لا نزوره ولا نستزيره . فكتبوا إليه ووجّهوا إليه نفقة وكتبوا يقولون : نحن ثلاثة وأنت وحدك فأنت أولى بزيارتنا ،

--> [ 1 ] زيادة في ط . [ 2 ] كذا في ح . وفي سائر النسخ : « جواريها » . [ 3 ] كذا في جميع الأصول ، ولعل الراوي نسب عبيدا إلى جدّه حنين لشهرته . [ 4 ] قال في « اللسان » : السوف : الصبر ، والمسوّف : الصبور ، وأنشد للمفضل هذا البيت شاهدا بذلك . [ 5 ] كذا فيء وهامش ط . وفي باقي النسخ : « من ذات كرنيب كقعب » . والكرنيب : لبن حليب ينقع فيه تمر برنيّ . ولم يظهر لهذه النسخة معنى يلتئم به السياق . [ 6 ] كذا في ط ، والفصح من أعياد النصارى ( انظر الحاشية رقم 1 ص 129 من هذا الجزء ) . وفي باقي الأصول : « صبح » .